الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
542
انوار الأصول
بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله . . . أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه ، أم كانوا شركاء للَّه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ، أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً تامّاً فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه ، واللَّه سبحانه يقول : « ما فرّطنا في الكتاب من شيء . . . » . ولا يخفى أنّ هذا البيان وكذلك غيره من الأخبار التي وردت في ذمّ هذا النوع من الاجتهاد من سائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام - في الواقع دفاع عن كيان الدين وأساس الشريعة والتأكيد على كمالها وعدم النقص فيها . فقد ظهر ممّا ذكرنا بطلان القسم الثاني من الاجتهاد ، ولعلّ الخلط بين القسمين صار منشأً لمعارضة الأخباريين مع الأصوليين ، وإلّا فإنّ الاجتهاد بالمعنى الأعمّ يعمل به الأخباري أيضاً في المجالات المختلفة من الفقه ، وإن شئت فراجع إلى كتاب الحدائق حتّى تلاحظ كونه اجتهاد واستنباط من المحدّث البحراني من أوّله إلى آخره ، وكذا غيره من أشباهه . الأمر الثالث : موارد النزاع بين الأخباري والأصولي ويرجع تاريخ هذا النزاع إلى أوائل القرن الحادي عشر على يد الميرزا محمّد أمين الاسترآبادي رحمه الله صاحب كتاب الفوائد المدنية ( وإن كانت بذوره موجودة من قبل في كلمات جمع من المحدّثين المتقدّمين ) فابتدأ النزاع منه ، ثمّ استمرّ إلى القرن الثاني عشر ، واستبان الحقّ فيه تدريجاً . وعمدة محلّ الخلاف بين الطائفتين أمور ثلاثة : 1 - مسألة جواز الاجتهاد . 2 - حجّية العقل . 3 - تقليد العوام المجتهدين . أمّا المورد الأوّل : فقد أشرنا سابقاً إلى أنّ الأخباري أيضاً يستنبط الحكم من أدلّته ويجتهد على نحو الاجتهاد بالمعنى العام في مقام العمل ، كما أنّ الأصولي أيضاً يخالف الاجتهاد بالمعنى الخاصّ ، فالنزاع بينهم في هذا المجال كأنّه نشأ من مناقشة لفظية واشتراك لفظي أو معنوي في كلمة الاجتهاد أو الرأي أو الظنّ ، فإنّ للاجتهاد معنيين : المعنى العام والمعنى الخاصّ ( وقد مرّ تعريفهما وبيان المقصود من كلّ واحد منهما ) كما أنّ للعمل بالظنّ وهكذا العمل بالرأي أيضاً معنيين ، فهما عند الأصوليين بمعنى العمل بالأمارات المعتبرة وظواهر الكتاب والسنّة ،